ابن كثير

529

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

بعض ، حتى قام كل طائر على حدته ، وأتينه يمشين سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها ، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم عليه السلام ، فإذا قدم له غير رأسه يأباه ، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول اللّه وقوته ، ولهذا قال وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي عزيز لا يغلبه شيء ، ولا يمتنع من شيء ، وما شاء كان بلا ممانع ، لأنه القاهر لكل شيء ، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره . قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن أيوب في قوله وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قال : قال ابن عباس : ما في القرآن آية أرجى عندي منها . وقال ابن جرير : حدثني محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، سمعت زيد بن علي يحدث عن رجل عن سعيد بن المسيب قال : اتفق عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن عمرو بن العاص أن يجتمعا قال : ونحن شببة . فقال أحدهما لصاحبه : أي آية في كتاب اللّه أرجى عندك لهذه الأمة ؟ فقال عبد اللّه بن عمرو قوله اللّه تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ، لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] ، فقال ابن عباس : أما إن كنت تقول هذا ، فأنا أقول أرجى منها لهذه الأمة ، قول إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ؟ قالَ : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ قالَ : بَلى ، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبي ، حدثنا عبد اللّه بن صالح كاتب الليث ، حدثني محمد بن أبي سلمة عن عمرو ، حدثني ابن المنكدر أنه قال : التقى عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن عمرو بن العاص ، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص : أي آية في القرآن أرجى عندك ، فقال عبد اللّه بن عمرو : قول اللّه عز وجل : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا الآية ، فقال ابن عباس : لكن أنا أقول قول اللّه عز وجل : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى فرضي من إبراهيم قوله بَلى ، قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان ، وهكذا رواه الحاكم في المستدرك عن أبي عبد اللّه محمد بن يعقوب بن الأحزم ، عن إبراهيم بن عبد اللّه السعدي ، عن بشر بن عمر الزهراني ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة بإسناده مثله ، ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 261 ] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 ) هذا مثل ضربه اللّه تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته ، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، فقال مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قال سعيد بن جبير : يعني في طاعة اللّه . وقال مكحول : يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك . وقال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : الجهاد والحج